حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
30
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رءوسها ، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعا من كل طائر ، ثم يصيح بها تعالين بإذن اللّه . فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها . وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال : إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الموتى من اللّه أراه اللّه تعالى مثالا قرب به الأمر عليه . والمراد ب فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة ، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة ، ويؤكده قوله ثُمَّ ادْعُهُنَّ أي الطيور لا الأجزاء يَأْتِينَكَ سَعْياً وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين ، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية . وأيضا إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل ، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة . ولأن قوله عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد ، ثم ظاهر قوله عَلى كُلِّ جَبَلٍ جميع جبال الدنيا . فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل : فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه . وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع : أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع . وقال السدي وابن جريج : المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة . أما قوله ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً فقيل : عدوا ومشيا على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة ، وقيل : طيرانا . ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى . وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشيا كانت أو طيرانا ، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطا في صحة الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حيا قادرا على السعي والعدو . قال القاضي : دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها ، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة ، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة ، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلا قاطعا على أن البنية ليست شرطا للحياة . وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على جميع الممكنات حَكِيمٌ عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء . التأويل : إن اللّه تعالى لما أعطى نمرود ملكا ما أعطى أحدا قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله . وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع ، ولكنه جبل ظلوما جهولا ، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس ، موافقا لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل